"You Can See Everything".. وثائقي إليزابيث هولمز الذي كسر الحاجز بين التوثيق ودراما التشويق النفسي
يقتحم الفيلم الوثائقي You Can See Everything خصوصية إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة ثيرانوس للتكنولوجيا الطبية المتطورة، التي أُدينت بالاحتيال وتعريض حياة آلاف المرضى للخطر. المفارقة أن الكاميرات التي عاشت في منزلها الساحلي حيث تقيم مع زوجها وطفليها وسجلت كل شيء تقريبًا، كانت هناك بدعوة منها. هي تدّعي أنها لا تكذب، وأنه ليس لديها ما تخفيه. يبدو الأمر في البداية وثائقيًا سهلًا ومتوقعًا: ستدافع هولمز عن قراراتها، وسيواجهها المحاور بالاتهامات، بينما يتابع الجمهور هذه المباراة بحثًا عن الحقيقة.
لكن الأمور لا تسير على هذا النحو. يتشعب الفيلم مع تعقّد العلاقة بين هولمز وزوجها وأبرز المدافعين عنها من ناحية والمحاور ناثان فيلدر صاحب الوجه الجامد والنظرات الغير مريحة، ويمزج التسجيلات الوثائقية بمشاهد معاد تمثيلها، حتى تتلاشى الحدود بين التوثيق والدراما.
سيدة ثيرانوس
الفيلم الذي أخرجه ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم لا يكتفي بعرض الوقائع، ولا يترك المتفرج أمام إجابات واضحة يمكنه أن يبني عليها حكمه. إنه يضعه داخل متاهة من الاحتمالات: هل إليزابيث هولمز امرأة ساذجة صدّقت الأكاذيب التي صنعتها، أم متلاعبة تعرف كيف تستخدم الآخرين والكاميرا لمصلحتها؟ هل تكذب وهي مدركة للحقيقة، أم أنها عاجزة على التمييز بين ما تريد تصديقه وما حدث فعلًا؟ وهل ورّطها من حولها، أم أنها كانت شريكة في القرارات التي قادت إلى انهيار ثيرانوس؟

تزداد هذه الأسئلة غرابة حين نتذكر أن هولمز أُدينت بالفعل بالاحتيال، وأن الكاميرات تسجل حياتها خلال أيامها الأخيرة قبل دخول السجن لتنفيذ عقوبة مدتها 11 عامًا. لا يتعلق الأمر إذن بقضية تنتظر اكتشاف الحقيقة، بل بشخصية حُسمت مسؤوليتها القانونية، بينما يظل فهم دوافعها وطبيعة علاقتها بأكاذيبها موضع شك.
يستغل المخرجان هذه المسافة بين الحقيقة القانونية والحقيقة النفسية، ويمزجان التسجيلات بمشاهد معاد تمثيلها، بل يستعينان بمشاهد من مسلسل The Dropout الذي عرضته شبكة هولو عام 2022 وجسدت فيه أماندا سيفريد شخصية اليزابيث هولمز، ثم تشارك أماندا نفسها في الوثائقي بإعادة تجسيد بعض المواقف التي لم توثقها كاميرا ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم. ومع المونتاج الذي يقابل الحاضر بالتسجيلات القديمة، واللقطات القريبة التي تحاصر وجه هولمز، ولحظات الصمت التي تترك المشاهد يبحث عن معنى النظرات والترددات، يقترب الفيلم من دراما تشويق نفسي. ما يشد الانتباه ليس فقط ما فعلته هولمز، بل الطريقة التي نراها بها، ومدى قدرتها على توجيه هذه الرؤية حتى وهي تحت المراقبة الدقيقة لفريق عمل منح حرية مطلقة حتى انه لا يجد حرجًا حتى في تصوير زوجها وهو يستحم عاريًا.

الأصل والصورة
تكتسب مشاركة أماندا سيفريد في الوثائقي دلالة تتجاوز ظهور ممثلة أدّت شخصية إليزابيث هولمز في مسلسل The Dropout. سيفريد تتحدث مع زوج هولمز، وتجلس مع أطفالها، بل وتتحدث مع هولمز نفسها عبر الهاتف، وهي أمور لم تفعلها قبل تجسيد شخصيتها. نحن أمام ممثلة صنعت شخصية بناءً على سيناريو، وامرأة حقيقية كرهت المسلسل ورأت أنه لم ينصفها. يستغل المخرجان هذه المفارقة، لكنهما لا يكتفيان بمواجهة هولمز بالصورة التي رسمها عنها العمل الدرامي؛ فالفيلم يبدأ بعد أحداث المسلسل، وبعد المحاكمة التي انتهت بإدانتها.

واللافت أن الوثائقي لا ينتهي بانتهاء الأيام الـ34 التي سمحت فيها هولمز للكاميرات بتسجيل حياتها، بل يواصل تتبع قصتها لسنوات، من خلال لقاءات مع زوجها الذي أخذ يتحدث باسمها، ويدير محاولات إحياء مشروعها، ويستثمر تعاطف بعض الناس معها. يبدو استمرار الفيلم كأنه محاولة للإبقاء على كل الاحتمالات مفتوحة، وعدم إغلاق ملف هولمز نفسيًا وأخلاقيًا، رغم أن مسؤوليتها القانونية حُسمت بالفعل. لكن هذا التردد يطول حتى يتحول إلى مشكلة في إيقاع الفيلم نفسه؛ كأنه لا يريد أن ينتهي، لأنه لم يحسم موقفه بعد، فيظل يدور حول الشخصية ويمنحها مزيدًا من الوقت والمساحة، إلى أن يصبح عرض فيلم مدته ثلاث ساعات بعد ثلاث سنوات من سجنها جزءًا من المفارقة ذاتها: لقد انتهت المحاكمة، وبدأ تنفيذ العقوبة، لكن الوثائقي لا يزال يتردد أمام السؤال الذي يريدنا أن نخرج به.

أكاذيب حقيقية
لا يبدو أن ناثان فيلدر يريد الوصول إلى إجابة حاسمة عن شخصية إليزابيث هولمز بقدر ما يريد توسيع مساحة الحيرة حولها. في أحد المشاهد، يعرض عليها مقطعًا كوميديًا للثنائي أبوت وكوستيلو، تتوقف فيه النكتة على التباس عبارة "من على الخط الأول؟"؛ إذ يظن كوستيلو أن أبوت يسأله عن الشخص الواقف على الخط الأول في لعبة البيسبول، وهو يكرر أنه لا يعرف من هو، بينما أبوت يخبره مرارًا أن Who "هو" من يقف على الخط الأول ولأن الاسم يشبه صيغة السؤال "من؟" يظل الحوار بينهما عبثيًا. لا تفهم هولمز المفارقة، أو على الأقل لا يبدو أنها تفهمها رغم أنها ضحكت ووجدت الاسكتش مرحًا. وفي مواضع أخرى، يحاول فيلدر وصف بعض حواراته معها بأنها جدل عبثي ساخر مثل اسكتش أبوت وكوستيلو؛ فهي تؤكد أنها لا تكذب أبدًا، وهذه كذبة واضحة؛ إذا لا يوجد شخص لم يكذب في حياته أبدًا، ويدخل كلاهما في جدل حول تعريف الكذب نفسه.
هذه اللحظات تفتح بابًا لفهم هولمز، لكنها لا تقود إلى تفسير واحد. هل تتظاهر بالسذاجة، وتستخدمها وسيلة للمراوغة والهروب من الأسئلة المحرجة؟ أم أنها تؤمن فعلًا بما تقوله، إلى درجة أنها لا ترى التناقضات التي يراها الآخرون؟ ربما تكون متلاعبة تعرف كيف تستثمر هذا الالتباس، وربما يكون الالتباس نفسه جزءًا من الطريقة التي تفكر بها وتدافع بها عن صورتها أمام الآخرين. لا يحسم الفيلم الأمر، لكنه يجعلنا نراقب هولمز وهي تتحدث، ونبحث في كلامها عن معنى قد لا يكون واضحًا لها هي نفسها.

من يراقب مَن؟
قصة إليزابيث هولمز بدأت قبل ان تبلغ 18 عام حين هجرت دراسة الجامعة وبدأت مشروعها الطموح عن اختراع جهاز صغير يمكنه تقديم تحليل شامل للدم من قطرة دم صغيرة، وكانت ترى ستيف جوبز صاحب شركة أبل الراحل قدوتها، وبالفعل نجحت في جلب مليارات الدولارات ودعم شخصيات مرموقة مثل بيل كلينتون وهنري كيسنجر وباراك أوباما وغيرهم، في حين وجدها البعض محتالة تسىء إلى طموحات ومشاريع وادي السيليكون، بل تسىء إلى فرص نساء أكثر منها جدية.
أرى أن إليزابيث هولمز نجحت، بقصد أو دون قصد، في التأثير بسحر شخصيتها المضطربة على ناثان فيلدر. وهذه إحدى نقاط سرّها؛ كيف استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصبح مليارديرة، وتترأس مؤسسة تضم شخصيات مرموقة، وتحظى بدعم رؤساء ورجال سياسة. لا يعني ذلك أنها نجحت في تغيير موقف فيلدر من احتيالها، لكن حضورها أمام الكاميرا يكشف جانبًا من قدرتها على التأثير في الآخرين. فهي لا تبدو منشغلة بإرضائه أو بإقناعه، ولا تنهار تحت ضغط أسئلته الصعبة، بل تواصل الحديث وكأن شخصيتها محصّنة ضد الاستفزاز. يحاول فيلدر ملاحقتها بالأسئلة، لكنها تظل على طبيعتها، أو على الصورة التي تقدمها باعتبارها طبيعتها، فلا يمنحنا الفيلم وسيلة مؤكدة للفصل بين الأمرين.

في مشهد انفصالها عن حبيبها الأول ومدير شركتها ساني بالواني الذي جسد شخصيته "نافين أندراوس" في مسلسل The Dropout يتوقف فجأة ويقول وهو ينظر اليها بذهول "يا الهي! لا يوجد أحد هناك!" في إشارة إلى أن هولمز مجرد هيكل خاوي يخلو من وجود إنسان حقيقي داخله.
حكاية لا تنتهي
يأتي إغراء مواصلة الحكاية من شخصية زوج هولمز، الذي يبدو في مرحلة ما جزءًا من أزمتها. فهو لا يدير حياتها فحسب، بل يتدخل لمنع توجيه النقد الحاد إليها أو إلى مشروعها، وينفعل في مواقف عديدة، محاولًا وقف التصوير أو إبعادها عن الكاميرات. وقد وثّق الفيلم بعض المشاجرات بينه وبين فيلدر، ليبدو الزوج أقل شبهًا بمدافع يقف في الصفوف الخلفية، وأكثر شبهًا بشخص يدير المعركة بنفسه.
فهو يدير حسابات هولمز على مواقع التواصل الاجتماعي، ويغرّد على تويتر نيابة عنها، ويحاول إحياء مشروعها. لا يبدو الأمر إذن مجرد دفاع عن زوجة أُدينت بالاحتيال، بل استمرارًا لمحاولات إبقاء قصتها ومشروعها على قيد الحياة، مع التحكم في الطريقة التي يراها بها الآخرون. والزوج، بغضبه ومراوغته، يصبح شخصية تستدعي المتابعة بقدر ما تستدعيها هولمز نفسها.

هكذا تجد كاميرا "ديفيد بولن" فيلدر سببًا للاستمرار في الدوران، ومونتاج "أدم لوك نورتون" يتنقل بين العيون ويترك مساحات الصمت المحرجة تتكلم، وموسيقى "آري بالوزيان" تتفاعل مع المواقف بديناميكية وقوة كأنها تصنع أجواء فيلم دراما نفسية مرعب. فالقصة لم تنتهِ، وهولمز لم تختفِ من المشهد؛ إنها لا تزال حاضرة، ولو من خلال زوجها الذي يتحدث باسمها ويدير محاولات استعادة مشروعها. لكن ما يمنح الفيلم مادة جديدة هو نفسه ما يطيل عمره: كلما بدا أن الحكاية وصلت إلى نهايتها، ظهر ما يستدعي جولة أخرى من التصوير. ومع مرور السنوات، يصبح السؤال ليس فقط ما الذي يمكن أن نعرفه عن هولمز، بل إلى متى تظل هذه الحكاية قادرة على إنتاج مادة جديدة؟

أين ضحايا ثيرانوس؟
هنا يرتكب You Can See Everything خطأه الأهم. فبينما يغوص الفيلم في شخصية إليزابيث هولمز، المتهمة التي أُدينت بالاحتيال، ويمنحها كل هذه المساحة لتروي قصتها وتدافع عن نفسها، يكاد يغفل ضحاياها. لم تكن أزمة ثيرانوس مجرد احتيال بادعاء امتلاك جهاز قادر على إجراء تحاليل طبية شاملة من قطرة دم واحدة، ولا مجرد صراع بين هولمز وفريق عملها والجهات القانونية التي لاحقتها. لقد استُخدمت أجهزة غير دقيقة في إجراء تحاليل لأشخاص حقيقيين، وتترتب على النتائج الطبية الخاطئة عواقب قد تكون خطيرة: مرضى تلقوا علاجًا خاطئًا بناءً على معلومات غير صحيحة، وآخرون ربما فاتهم اكتشاف أمراضهم في الوقت المناسب.
أين هؤلاء الناس من الفيلم؟ أين أصواتهم وتجاربهم، وأين أثر ما حدث لهم؟ لا تكمن المشكلة في أن الوثائقي اختار الاقتراب من شخصية هولمز أو محاولة فهمها، بل في أن هذا الانشغال استحوذ على الحكاية إلى حد كاد معه ضحاياها أن يختفوا منها. فإغراء الغوص في شخصية مثيرة للجدل لا ينبغي أن يحجب الأبعاد الأخلاقية لأفعالها، ولا أن يجعل المرأة التي ارتكبت الاحتيال أكثر حضورًا من الأشخاص الذين تحملوا عواقبه.

في النهاية، يترك You Can See Everything أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، ليس فقط عن إليزابيث هولمز، بل عن حدود ما يستطيع الفيلم الوثائقي كشفه حين تصبح شخصيته الرئيسية أكثر إثارة للاهتمام من القضية التي صنعت شهرتها. لقد سمحت هولمز للكاميرات بمراقبة حياتها، وراقبها فيلدر محاولًا فهمها، لكن ما يستحق السؤال هو ما اختار الفيلم أن يراه وما تركه خارج الصورة. فأن ترى كل شيء لا يعني بالضرورة أن ترى الحقيقة كاملة، خصوصًا حين يظل ضحايا الحكاية غائبين عن المشهد.
الصور من حسابات A24 و Hulu.