
خاص "هي": تعزيز العافية بعد رمضان.. الدكتور تال فريدمان من مركز راكسا يقدّم نصائح حصرية
لطالما كانت الصحة هي العنوان الرئيسي ومطلب الجميع دون استثناء؛ يبحث عنها الأصحاء والمرضى على حد سواء، ويسعون بكافة جهودهم لتحقيقها في مراحل مختلفة من حياتهم، خصوصًا عند التقدم بالسن.
لكن مفهوم العافية Wellness بات حاليًا يطغى على مفهوم الصحة، أو يمكن القول أنه يُلازمه في كثيرٍ من الأحيان. فما هو هذا المفهوم، ولماذا بات مسألةً هامة في صحة ورفاه الأفراد؟

إن الصحة والعافية لا تعني غياب الأمراض وأعراضها فحسب؛ وإنما هي أيضًا الوعي والسعي الدائمين لإختيار وممارسة أنماط الحياة التي تؤدي إلى تحقيق العافية بأبعادها المتكاملة، والتي تشمل العافية الجسدية والعقلية والعاطفية والروحية والإجتماعية وعافية البيئة. والعافية هي حالةٌ تتجاوز انعدام المرض، ولكنها تهدف في الوقت ذاته إلى تحسين الرفاهية.
نُردَد في صلواتنا دومًا هذا الدعاء: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَفوَ والْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ما يدل على أهمية هذا الموضوع على الناحيتين الدنيوية والروحية. وتكثر مثل هذه الأدعية خلال شهر رمضان المبارك، وهو شهر العبادات الخالصة والتقرب إلى الله جل جلاله، طلبًا للمغفرة والرحمة والعفو والعافية. لكن للصيام بعض التداعيات السلبية على صحتنا، وهو ما يحتاج إلى إعادة برمجة وهيكلة من جديد، بعد انقضاء هذا الشهر.
للوقوف أكثر على ماهية تعزيز العافية خلال وبعد رمضان، والأدوات التي نحتاجها في هذا الشأن؛ توجهنا إلى الدكتور تال فريدمان، مدير عمليات العافية في مركز راكسا للعافية المتكاملة، الذي أفادنا بالكثير من المعلومات القيَمة. يلتزم الدكتور تال فريدمان في إطار مهامه الوظيفية بتقديم أفضل الخدمات للعملاء، لا سيما وأنه طبيب متخصص في المداوة الطبيعية، إلى جانب دراسته المتعمقة لعلم الحركة، ولديه أكثر من ثماني سنوات من الخبرة في مجال الصحة الاستجمامية ضمن قطاع الضيافة الفاخرة.
وبفضل معرفته الواسعة لعلم الحركة والطب الطبيعي، يجلب الدكتور فريدمان منظوراً فريداً ونهجاً قائماً على الأدلة العلمية للرعاية الصحية الاستجمامية، مما يضمن حصول كل عميل على نهج مخصص لتحقيق الأهداف الصحية المثلى، وبالتالي مساعدة الأفراد في رحلتهم نحو صحة تكاملية مستدامة. وتعتمد ممارسته على الجمع بين الأساليب التقليدية والحديثة لتحديد ومعالجة الأسباب الجذرية للمخاوف الصحية.
كيف لنا أن نُعزَز امتصاص العناصر الغذائية عند الإفطار؟
بعد صيام يومٍ طويل، يُعزَز اتبَاع نظامٍ غذائي لطيف ومدروس، صحة الجهاز الهضمي. ابدأي بأطعمة سهلة الهضم ومُرطبة مثل التمر والشوربات ومرق العظام؛ ثم أدخلي تدريجيًا وجباتٍ غنية بالعناصر الغذائية، وغنية بالدهون الصحية والبروتينات قليلة الدهون والخضراوات الغنية بالألياف، لتعزيز الامتصاص المستمر. تناولي الطعام ببطء ووعيٍ يُحفَز الإنزيمات الهضمية ويُعزَز امتصاص العناصر الغذائية.
ما هي الأطعمة التي يجب التركيز عليها خلال فترات الصيام، لتعزيز امتصاص العناصر الغذائية؟
خلال السحور والإفطار، تُساعد خيارات الطعام الاستراتيجية على تعزيز امتصاص العناصر الغذائية.
في السحور، اختاري الكربوهيدرات المُعقدة بطيئة الهضم مثل الشوفان أو البطاطا الحلوة، مع الدهون الصحية (الأفوكادو والمكسرات) لإطالة إطلاق الطاقة والمساعدة على الشعور بالشبع. عند الإفطار، ابدأي بالفواكه المُرطبة (البطيخ والبابايا) وأضيفي الأطعمة المُخمرة (الزبادي والكفير) لدعم صحة الأمعاء. إضافة أطعمة غنية بالبريبايوتيك، مثل البصل والثوم والموز، تدعم وتُغذَي بكتيريا الأمعاء النافعة، مما يُحسّن الهضم وامتصاص العناصر الغذائية.
ما هي الأطعمة التي تُساعد بشكلٍ أكبر على إزالة السموم من الجسم بعمق خلال شهر رمضان؟
يُحفّز الصيام بصورة طبيعية عملية الالتهام الذاتي، وهي عملية تجديد الخلايا وإزالة السموم في الجسم. ويُمكن لبعض الأطعمة أن تُعزَز هذه الآلية عند الإفطار.
تحتوي الخضراوات الصليبية، مثل البروكلي والقرنبيط، على مُركبات تُنشّط مسارات إزالة السموم الخلوية. كما يُوفّر التوت الغني بمضادات الأكسدة والكركم مُركبات البوليفينول التي تدعم هذه العمليات أيضًا. بدوره، يُساعد الزنجبيل والتوابل المُنعشة الأخرى على الهضم، بينما يُساهم شاي الأعشاب في ترطيب الجسم ويحتوي على مُركبات نشطة بيولوجيًا تُكمّل فوائد الصيام. وتعمل هذه الأطعمة بشكلٍ مُتآزر مع أنظمة التجديد الطبيعية في الجسم التي تُنشّط خلال فترات الصيام.

تُعدّ صحة الأمعاء ركيزةً أساسية لصحتنا العامة؛ كيف يُمكننا تعزيز مرونتها من أجل صحةٍ هضمية طويلة الأمد؟
تخيِلي مرونة الأمعاء كحديقة؛ فالأمر كله يتعلق بتهيئة البيئة المناسبة لازدهار كل شيء. ابدأي بزراعة البكتيريا النافعة بأطعمة غنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي والخضراوات المُخمَرة، ثم غذِّيها بألياف البريبايوتيك من الثوم والبصل والبقوليات - فهذه الألياف تعمل كسمادٍ لميكروبات أمعائكِ.
أما بالنسبة لبطانة الأمعاء نفسها، فإن الخضراوات المطبوخة ومرق العظام يُوفرَان اللبَنات الأساسية للترميم، تمامًا مثل تعزيز بنية الحديقة. والأهم من ذلك، وكما تحتاج الحديقة إلى ظروف نموٍ مناسبة، فإن الأمعاء تزدهر عندما يتم التحكم في التوتر. تساعد ممارساتٍ مثل التنفس الحجابي وتناول الطعام بوعي على تقليل الاستجابات الالتهابية وتعزيز التواصل بين الأمعاء والدماغ، مما يخلق "المناخ" المناسب لازدهار حديقة أمعائكِ. عندما تجمعين هذه الأساليب الغذائية ونمط الحياة باستمرار، فإنك تبنين مرونةً هضمية حقيقية.
ما أهمية الترطيب لإصلاح الخلايا، وكيف يُمكننا تحقيق أقصى ترطيب أثناء الصيام؟
يلعب الترطيب دورًا حيويًا في وظائف الخلايا، إذ يدعم مسارات إزالة السموم واستقلاب الطاقة.
خلال فترات الصيام، أعطِ الأولوية لشرب الماء وتوازن الإلكتروليتات. وتُوفَر الأطعمة الغنية بالماء، مثل الخيار (96% ماء)، والحمضيات، والبطيخ، السوائل، بالإضافة إلى المُغذيات النباتية المفيدة، وهي مثالية لكسر الصيام. لتعويض الإلكتروليتات المفقودة جراء الصيام، جرّبي ماء جوز الهند (مصدر طبيعي للبوتاسيوم) أو شاي الأعشاب مثل النعناع (والذي قد يُساعد أيضًا على الهضم). تتجاوز هذه الاستراتيجيات الترطيب الأساسي، فهي تُوفر عناصر غذائية مُكملة تُعزَز تعافي الخلايا بشكلٍ مُتآزر.
للحفاظ على فوائد الصيام خلال شهر رمضان، كيف يُمكننا دمج الحركة الخفيفة؟ ما هي أفضل التمارين/الحركات التي يُمكننا اتباعها؟
الحركة الخفيفة تُكمّل الصيام. خلال فترات الصيام، تُساعد الأنشطة منخفضة التأثير، مثل يوغا الين، والتاي تشي، والمشي الواعي، في الحفاظ على الدورة الدموية وتحسين مستويات الطاقة دون إرهاق الجسم. وبعد الإفطار، عندما يتوفر الترطيب والتغذية، يُمكن أن تُساعد تمارين المقاومة الخفيفة أو تمارين البيلاتس في الحفاظ على العضلات.
يكمن السر في مواءمة شدة التمارين مع حالة صيام الجسم مع إعطاء الأولوية للتعافي والإيقاع على المجهود.
ترتبط الممارسات الواعية بقوة الجهاز الهضمي - الدماغي؛ ما هي هذه الممارسات، وكيف يُمكننا دمجها في صيامنا؟

يستطيع محور الأمعاء - الدماغ الاستجابة بقوة للممارسات الواعية. تُنشئ ممارساتٌ مثل الصلاة أساسًا من الهدوء، جزئيًا، من خلال تحفيز استجابة الاسترخاء لدينا. وعند دمجها مع تقنياتٍ مثل التنفس البطيء (الذي يُحفَز العصب المُبهم - وهو مسارٌ رئيسي بين الأمعاء والدماغ) وتناول الطعام الواعي (الذي ثَبُت أنه يُعزَز إنزيمات الهضم)، تُحسّن هذه التقنيات التواصل بين الجهاز الهضمي والدماغ بشكلٍ فعال.
وقد ثَبُتَ أن استخدام هذه الأدوات يُخفِّف هرمونات التوتر التي يُمكن أن تُسبب التهاب الأمعاء، مع تعزيز صحة ميكروبيوم الأمعاء. إنه مثالٌ واضحٌ على كيف يُمكن للروتين البسيط والمُتعمد أن يُعيد تشكيل صحتكِ الجسدية من الداخل إلى الخارج.
رمضان على وشك الانتهاء؛ كيف يُمكننا إعادة تأهيل أجسامنا وعقولنا إلى عادات الأكل لما بعد رمضان؟
بعد رمضان، يحتاج جسمكِ إلى فترةٍ انتقالية هادئة للعودة إلى نظامكِ الغذائي المُعتاد.
ابدأي بوجباتٍ صغيرة مُغذية كل بضع ساعات - مثل الحساء، والعصائر، أو الأطعمة سهلة الهضم كالبيض، والسمك المُطهو على البخار، والخضراوات المطبوخة. تباطأت عملية الهضم لديكِ أثناء الصيام، لذا قلَلي من تناول الأطعمة النيئة والكميات الكبيرة في البداية. أضيفي أطعمةً مُفيدة للأمعاء مثل الزبادي ومرق العظام، لمساعدة معدتكِ على التأقلم. حافظي على رطوبة جسمكِ وامضغي طعامكِ جيدًا - فهذا يُساعد جسمكِ على امتصاص العناصر الغذائية بشكلٍ أفضل ويُساعد على الهضم بصورة عامة كما ذكرنا سابقًا.
إذا كنتِ تشعرين بتعبٍ شديد أو تشكَين في وجود بعض النقص الغذائي لديكِ، يُمكنكِ التفكير في تناول مُكملات غذائية مُتعددة الفيتامينات أو مُكملات غذائية أخرى. ولكن لضمان سلامتك، استشيري مُختصًا أو طبيبكِ للتأكد من حصولكِ على ما تحتاجين.
وأخيرًا، ابذلي جهدًا لمواصلة العادات الواعية التي اكتسبتِها خلال شهر رمضان - مثل تناول الطعام ببطء والبقاء على اتصال بروتينكِ الروحي - مع عودتكِ إلى الحياة اليومية.
في الختام؛ ما هي أفضل نصائحكَ الغذائية / نمط الحياة التي تشاركها مع قراء "هي" لتحقيق صحةٍ وعافيةٍ مثالية؟
تنبع الصحة الحقيقية من إيقاعاتٍ يومية - تغذية منتظمة، وتواصلٌ هادف، واختياراتٌ واعية.
إبنِ أساسكِ بعاداتٍ بسيطة: اختاري أطعمة كاملة تُنشَطكِ، واشربي الماء بانتظام، وتحرَكي بفرح. اعتنِ بأمعائكِ كحديقة عزيزة، وهدِّئي جهازك العصبي بالصبر، وكوني على يقين أن الراحة دواءٌ أساسي.